محمد بن جرير الطبري
191
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أبي صالح وإني مرسلة إليهم بهدية قال : أرسلت بلبنة من ذهب ، وقالت : إن كان يريد الدنيا علمته ، وإن كان يريد الآخرة علمته . وقوله : فناظرة بم يرجع المرسلون تقول : فأنظر بأي شئ من خبره وفعله في هديتي التي أرسلها إليه ترجع رسلي ، أبقبول وانصراف عنا ، أم برد الهدية والثبات على مطالبتنا باتباعه على دينه ؟ وأسقطت الألف من ما في قوله بم وأصله : بما ، لان العرب إذا كانت ما بمعنى : أي ، ثم وصلوها بحرف خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام وغيره ، كما قال جل ثناؤه عم يتساءلون وقالوا : فيم كنتم ، وربما أثبتوا فيها الألف ، كما قال الشاعر : علاما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في تراب وقالت وإني مرسلة إليهم وإنما أرسلت إلى سليمان وحده على النحو الذي بينا في قوله : على خوف من فرعون وملئهم . وقوله : فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال . إن قال قائل : وكيف قيل : فلما جاء سليمان فجعل الخبر في مجئ سليمان عن واحد ، وقد قال قبل ذلك فناظرة بم يرجع المرسلون فإن كان الرسول كان واحدا ، فكيف قيل بم يرجع المرسلون وإن كانوا جماعة فكيف قيل : فلما جاء سليمان ؟ قيل : هذا نظير ما قد بينا قبل من إظهار العرب الخبر في أمر كان من واحد على وجه الخبر ، عن جماعة إذا لم يقصد قصد الخبر عن شخص واحد بعينه ، يشار إليه بعينه ، فسمي في الخبر . وقد قيل : إن الرسول الذي وجهته ملكة سبأ إلى سليمان كان امرأ واحدا ، فلذلك قال : فلما جاء سليمان يراد به : فلما جاء الرسول سليمان واستدل قائلوا ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقوله سليمان للرسول : ارجع إليهم وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله . فلما جاءوا سليمان على الجمع ، وذلك للفظ قوله : بم يرجع المرسلون فصلح الجمع للفظ والتوحيد للمعنى .